
عقب مغادرة المنتخب المغربي لأقل من 17 سنة لمنافسات كأس أمم إفريقيا المقامة بالمملكة على يد السنغال، تعالت الأصوات المنتقدة لفتحي جمال. وحمّلت هذه الجهات جمال مسؤولية الإخفاق، لاسيما بعد قراره بتعيين مدرب برتغالي بدلاً من نبيل باها، الذي سبق وقاد “الأشبال” لمنصة التتويج القاري في النسخة الماضية.
ومن المنطقي أن تطال الانتقادات المسؤول الأول عن القطاع التقني، خاصة مع تراجع دور وليد الركراكي في الإشراف العام على المنتخبات الوطنية. إلا أن المثير للانتباه هو التحول الجذري في المواقف؛ ففتحي جمال الذي كان يُوصف قبل أشهر بـ”مهندس النهضة الكروية”، بات اليوم في مرمى النيران.
وخلال نهائيات كأس أمم إفريقيا 2025 بالمغرب، وبعد تعثر البدايات للمنتخب الأول في دور المجموعات، أعادت مباراة الكاميرون الأمل للجماهير المغربية. وفي تلك الفترة، سارع إعلاميون وجماهير لنسب الفضل في هذا التحول لفتحي جمال، معتبرين أن رؤيته التكتيكية هي من ساعدت وليد الركراكي على تجاوز المرحلة الصعبة.
وفي المقابل، تم تهميش إنجازات الركراكي التاريخية في المونديال ولقبه القاري مع الوداد الرياضي، حيث صوره البعض كمدرب محدود الخيارات، بينما رُفع جمال إلى مرتبة العقل المدبر وصاحب الفضل في إعادة المنتخب إلى الواجهة.
أما اليوم، فقد انقلبت الآية بعد إقصاء منتخب الفتيان، ليصبح فتحي جمال في نظر المنتقدين المسؤول الأول عن الفشل بسبب اختياراته التقنية، وعلى رأسها تعيين المدرب البرتغالي. وفي مفارقة غريبة، تحول نبيل باها، الذي واجه سابقاً اتهامات بالمحاباة، إلى رمز للكفاءة والنجاح، خاصة مع تألق نجله حالياً رفقة أولمبيك مارسيليا الفرنسي.
وتكشف هذه التقلبات السريعة عن الطبيعة العاطفية للجمهور المغربي، الذي قد يصنع بطلاً في لحظة نجاح ويهاجمه عند أول عثرة. هذا النهج قد يؤثر سلباً على المشاريع الرياضية طويلة الأمد، التي تتطلب استقراراً وتقييماً موضوعياً بعيداً عن ردود الفعل الآنية.
وفي هذا السياق، يظل الرهان على الأطر الوطنية هو الخيار الأقرب للنجاح، بالنظر إلى أن أبرز الإنجازات الأخيرة تحققت بقيادة كفاءات مغربية. وإذا كان فتحي جمال هو من دفع باتجاه الاستعانة بمدربين أجانب للفئات السنية، فإن المرحلة الحالية تفرض إعادة النظر في هذه الاستراتيجية.
كما يبرز مقترح منح صلاحيات أوسع للمدرب محمد وهبي كخيار مناسب، نظراً لخبرته الميدانية وكفاءته التي أثبتها في مختلف المحطات. فالمضي قدماً دون مراجعة أو تقييم حقيقي قد يعيد الكرة الوطنية إلى دوامة الإخفاقات التي عانت منها لسنوات.
ختاماً، القضية لا تنحصر في شخص فتحي جمال، بل تتعلق بمشروع كروي متكامل يحتاج لوضوح الرؤية واستقرار القرار، مع تعزيز الثقة في الكفاءات الوطنية التي أثبتت قدرتها على تحقيق الإنجازات متى توفرت لها الظروف الملائمة.